يرى كريم سجادبور وسوزان مالوني، في حوار أجراه آرون ديفيد ميلر، أن الحرب الأخيرة شكّلت اختبارًا وجوديًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكنها خرجت منها محافظةً على بقائها السياسي والمؤسسي. ويعتقد الكاتبان أن طهران لم تنظر إلى الصراع باعتباره معركة لتحقيق نصر عسكري تقليدي، بل اعتبرته معركة بقاء نجحت في تجاوزها رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بقياداتها ومؤسساتها.
ونشر التقرير الذي نشره مركز كارنيجي للسلام الدولي هذا الحوار ضمن منصة "إميساري"، حيث ناقش المشاركون مستقبل إيران بعد الحرب، واحتمالات التوصل إلى اتفاق جديد مع الولايات المتحدة، وانعكاسات ذلك على توازنات الشرق الأوسط وأمن الطاقة العالمي.
بقاء النظام وتحوّل مراكز القوة
يوضح كريم سجادبور أن القيادة الإيرانية أدركت منذ بداية الحرب أنها لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا، لذلك اعتمدت على أدوات غير تقليدية قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. ويضيف أن طهران راهنت على رفع كلفة الحرب بالنسبة لواشنطن وحلفائها، ما دفع صناع القرار الأمريكيين إلى البحث عن مخرج سياسي بدل الاستمرار في المواجهة.
وترى سوزان مالوني أن إيران استفادت من قدراتها غير المتماثلة لفرض ضغوط واسعة على الاقتصاد العالمي، الأمر الذي منحها أوراق قوة لم تكن متاحة في بداية الحرب. كما أظهرت مؤسسات الدولة الإيرانية قدرة كبيرة على الاستمرار رغم مقتل عدد من كبار المسؤولين، مستفيدة من هيكل إداري وأمني متجذر عبر عقود طويلة.
ويشير سجادبور إلى أن موازين القوة داخل النظام مالت بصورة أكبر نحو النخب الأمنية والعسكرية، خاصة العناصر المرتبطة بالحرس الثوري. كما يلفت إلى أن غالبية الشخصيات الأكثر نفوذًا في طهران تنتمي إلى التيار المحافظ المتشدد، ما يعزز احتمالات استمرار النهج الأيديولوجي بدل الاتجاه نحو تغييرات جوهرية في السياسات الداخلية والخارجية.
الاتفاق المحتمل ومستقبل العلاقات مع واشنطن
تعتقد مالوني أن أي اتفاق مرتقب قد يمنح إيران فرصة لإعادة الاندماج اقتصاديًا وإقليميًا، ما يساعدها على تحسين موقعها الاستراتيجي بعد سنوات من العقوبات والعزلة. وترى أن قادة الجمهورية الإسلامية يشعرون بأنهم خرجوا من الحرب في وضع يسمح لهم بالتأثير بصورة أكبر في التوازنات الإقليمية.
في المقابل، يوضح سجادبور أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسعى إلى إبرام صفقة شاملة تعرض على إيران خيارين متناقضين؛ إما الانفتاح الاقتصادي والاستثمارات ورفع الضغوط، أو استمرار العقوبات واحتمالات التصعيد العسكري. لكنه يشكك في قدرة هذا الطرح على إقناع نظام يضع بقاءه السياسي فوق أي اعتبارات أخرى.
ويؤكد المتحدثان أن الرهان على أن الانفتاح الاقتصادي سيغيّر سلوك النظام الإيراني قد لا يكون واقعيًا، مستشهدين بتجارب دول أخرى حافظت على توجهاتها السياسية رغم اندماجها الواسع في الاقتصاد العالمي.
مضيق هرمز وأمن الطاقة في الشرق الأوسط
يحتل مضيق هرمز موقعًا محوريًا في النقاش حول مرحلة ما بعد الحرب. ويرى سجادبور أن إيران ستسعى إلى الاحتفاظ بدرجة من النفوذ على الممر البحري الحيوي باعتباره أداة ردع ومصدرًا مستمرًا للقوة السياسية والاقتصادية. كما يتوقع أن تواصل دول الخليج تطوير مسارات بديلة لنقل الطاقة بهدف تقليل اعتمادها على هذا الممر الاستراتيجي.
أما مالوني فتعتقد أن الأوضاع لن تعود سريعًا إلى ما كانت عليه قبل الحرب، لأن شركات الشحن والأسواق العالمية تحتاج إلى وقت طويل لاستعادة الثقة. كما تشير إلى أن إصلاح الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإقليمية يتطلب فترة ممتدة، ما يعني استمرار تداعيات الأزمة على حركة التجارة والطاقة.
وفي ما يتعلق بالملف النووي، يستبعد المشاركون التوصل إلى اتفاق شامل خلال فترة قصيرة، رغم إمكانية تحقيق تفاهمات محدودة حول تخصيب اليورانيوم وآليات الرقابة. ويؤكدون أن المفاوضات مع إيران عادة ما تحتاج إلى وقت طويل، وأن فرص الوصول إلى ترتيبات صارمة ومستدامة خلال الأشهر المقبلة تبقى محدودة.
ويخلص الحوار إلى أن الجمهورية الإسلامية خرجت من الحرب أكثر اقتناعًا بأهمية الحفاظ على هويتها السياسية والأمنية، بينما يواجه الشرق الأوسط مرحلة جديدة تتداخل فيها حسابات الأمن والطاقة والدبلوماسية. كما تظل قدرة إيران على التأثير في الاقتصاد العالمي وأمن الممرات البحرية عاملًا رئيسيًا في رسم ملامح المشهد الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
https://carnegieendowment.org/emissary/2026/06/iran-deal-mou-trump-now-what

